مقاربة ثلاثية الابعاد لـ "الامن القومي في لبنان"

عندما نأتي في الإعلام على ذكر كلمة "الامن القومي في لبنان" يتبادر إلى ذهن الناس فوراً الأمن العسكري والخطر المحدّق بالوطن بسبب الإعتداءات الخارجية أوالإرهابية. غير أن لهذا المصطلح بعداً أعمق من هذه الفكرة السطحية.

"الأمن القومي في لبنان" هو الأمن المرتبط تماماً بالوضع الإقتصادي والبيئي والإجتماعي، وعندما تكون هذه الأوضاع مستكينة وناشطة إيجابياً يكون المجتمع أقل عرضة للهزات وأقل خطراً من أي إعتداء.

في لبنان لم نعتد بعد على فهم وإستيعاب هذا المصطلح، كون الثفاقة الوطنية والإجتماعية شبه غائبة عن مجتعمنا إلا أن هناك ناشطون يسعون بجهدهم وأفكارهم إرساء هذا المفهوم بالتعاون مع المعنيين كي يصطلح وضع المجتمع ويتحول إلى إنتاجي أكثر مما هو إستهلاكي.

"ملتقى التأثير المدني" هو أول مجموعة ضغط ساهمت وعملت على وضع أسس لمفهوم "الأمن القومي " ويقول مديره التنفيذي زياد الصائغ في حوار مع "ليبانون ديبايت" أنه " في ظل المرحلة المأزقيَّة المفصليَّة من تاريخ وطننا، لا بُدَّ من صياغة منظومة متكاملة للمفاهيم المكوِّنة لـلامن القومي في لبنان"، وذلك من خلال إعادة الإعتبار للتوازُن بين القِطاع العام والقِطاع الخاصّ والمجتمع المدني، على قاعدة قيام دولة عصريَّة,وبلورة معادلة الناس و المؤسسات و السياسات ,وتفويق الحوكمة السليمة و السياسات الاقتصادية و الاجتماعية المستدامة على المقاربات الضيقة .من هذا كُلِّه ينطلق لبنان الرِسالة ليؤكد دوره الحضاري في صون حقوق الإنسان ونموذجيَّة إدارة التعدُّديَّة وإحترام أسس الديموقراطيَّة وإستلهام مبادىء الحريَّات العامة والخاصة المبدعة وتطبيق القانون وصَوْن الدستور".

ويضيف الصائغ :"تبدو الابعاد العامة المؤسسة للامن القومي كثيرة و منها النظام التشغيلي و هو بحسب مفهوم "ملتقى التاثير المدني "هذه المنظومة المتكاملة للحوكمة السليمة في كل المرافق التي تعني كل المواطنين اللبنانيين بغض النظر عن انتماءاتهم او التزاماتهم و بغض النظر عن هذا الفريق الحاكم او ذاك.و الحوكمة السليمة قد يعتبرها البعض تقنية حماية المصالح الخاصة و العامة على حد سواء ,فيما هي في فلسفتها الاساسية تستند الى عقد و طني و اجتماعي مبني على القيم المشتركة و المصالح المشتركة ,هذا العقد الوطني الاجتماعي كثير الاعتلالات و الاختلالات في لبنان ,الامر الذي يؤدي الى ضرب فاعلية النظام التشغيلي لصالح مواجهات بنيوية . فترانا منذ اكثر من عام بلا رئيس للجمهورية ,و امام مجلس نيابي ممد له خلافا لمقتضيات الدستور ,وامام حكومة الديمقراطية التوافقية وهي اقرب الى التعطيل منها الى الانتاج."

وردا على سؤال حول مكامن الخلل في السياسات الاقتصادية يستشهد الصائغ بما ورد في مداخلة عضو مجلس امناء و ادارة ملتقى التاثير المدني د.منير يحيى في ندوة الامن القومي في 31 -3-2015 والتي تسلط الضوء على الاشكاليات الكبرى في الاقتصاد اللبناني .و اهمها ان النظام الاقتصادي في لبنان هو نظام ريعي لان القدرة الانتاجية دون 30% فيما يشكل قطاع الخدمات 70% من الاقتصاد من الناتج المحلي الاجمالي GDP و الزراعة 4,6%و الصناعة 11%,ونظام استهلاكي لان الاستيراد يتجاوز 21 مليار دولار و تختصر الصادرات ب 4 مليارات دولار مع عجز 17 مليار دولار و 90 %من استهلاك اللبناني مستورد. "

اضافة الى الاشكاليات في البنى التحتية من كهرباء و مياه و مواصلات الى مديونية الدولة اللبنانية التي تجاوزت ال65 مليار دولار, فمديونية القطاع الخاص 100% من الناتج المحلي اما الكلفة الاستهلاكية فتشكل 50%من مدخول العائلة.هذا و يشكل قطاع الكهرباء 50% من عجز الموازنة السنوي و ما يزيد عن 42% من الدين العام.

و عن الخلل في السياسات الاجتماعية يشير الصائغ الى ما ورد في مداخلة عضو مجلس امناء وادارة ملتقى التاثير المدني انطوان واكيم والتي تظهر ان نسبة البطالة وصلت ال13% في مناطق عدة من لبنان و 25% من اللبنانيين يعيشون على خط الفقر و 8% منهم يعيشون تحت خط الفقر.واكثر من 25% من اللبنانيين يفتقرون الى مساكن يمتلكونها و اكثر من 50% من اللبنانيين دون ضمان صحي.

وازاء كل هذه المعطيات يطالب الصائغ بالعمل على" انجاز شبكات حماية اجتماعية صلبة و مستدامة,متسائلا ماذا سيحل بهذا الجيل و الاجيال اللاحقة ان لم ترسم لهم الدولة سياسة عدالة اجتماعية على اسس حديثة و علمية؟"

للأمن القومي أبعاد كثيرة كالبعد السياسي المثمثّل بالحفاظ على الكيان القانوني للدولة، والبعد العسكري الهادف إلى حماية الوطن ودرء المخاطر الداخلية والخارجية، والبعد الإقتصادي الذي يهدف إلى توفير المناخ المناسب لتوفير حاجات الشعب وسُبل التقدّم والرفاهية، كذلك البعد الإجتماعي الرامي إلى توفير الأمن للمواطنين بالقدر الذي يزيد الشعور بالإنتماء والولاء".

لذلك يطمح"ملتقى التأثير المدني" بأعضائه وناشطيه إلى بلورة تصور لدولة قوامها احترام طموحات ناسها ,و صون فاعلية مؤسساتها ,بناء و استدامة سياساتها حيث الشراكة متوازنة و فاعلة بين القطاعين العام و الخاص و المجتمع المدني , هي دولة النزاهة و الكفاءة و المساءلة نحو عقد و طني جامع و منتج.

من جهته يرى رئيس الرابطة العالمية للإقتصاد في لبنان وعميد كليّة إدارة الأعمال في جامعة الحكمة البروفسور روك انطوان مهنا أنّ "ملتقى التأثير المدني" يؤدي دوراً اساسيا في إرساء مفاهيم الأمن القومي ,وهو يعمل على عدة نقاط بارزة تهم كل فرد في المجتمع، وعلى المنظور البعيد وفي حال تحققت هذه المبادرات فسينعم لبنان بجو من الرخاء والامن".

وعن أبرز النقاط التي يتوقف عندها مهنا ,والتي يعتقد انها من المفيد ,ان تندرج من ضمن جدول اعمال الملتقى و يقترحها عليه ,هي :"الضغط باتجاة إقرار حكومة الكترونية والتي تعتبر ضرورة جداً في بلد كلبنان تسيطر عليه المحسوبيات والغش لاسيما في القطاعات العامة، فإقرار هذا النموذج الإلكتروني سيسهل على المواطن عدة أمور أبرزها : عدم إضاعة ساعات طويلة لإنجاز أوراق رسمية كدفع رسوم أو تحصيل جواز سفر أو غرامات وضرائب ، وما إلى ذلك من أمور.. فعلى غرار الدول المتحضّرة يستطيع المواطن إنجاز كل هذه المعاملات وهو في منزله كما أنها تحدّ من تحكم السماسرة والمرتشين به، كما نشاهد اليوم في معاينة الميكانيك حيث تعم الرشاوى والغش من قبل السماسرة".

كما يرى البروفسور مهنا أن الأفكار المطروحة من قبل "ملتقى التأثير المدني" ممتازة جدا ولكن تبقى طريقة التنفيذ وكيفيتها هي الأهم، وتختلف بين قطاع وآخر لذا يتطلب الأمر الإجتماع حول طاولات الحوار لمناقشة كل ملف على حدة مع المعنيين والخبراء في كل مجال محدد، فمثلاً قطاع الضمان الإجتماعي يتم مناقشته مع وزير العمل وخبراء في الضمان والمحاسبة وناشطين مدنيين,وخلال المناقشة يتم التوصل إلى صياغة واحدة تنعكس إيجاباعلى المجتمع، والأمر ذاته بالنبسة إلى القطاعات الأخرى.

و هنا يتفق الصائغ مع مهنا ,اذ يرى ان الاهم من الافكار , الية المتابعة و التنفيذ,لذا كان اقتراح اطلاق طاولات حوارية لمناقشة كل ملف على حدة مع المعنيين و الخبراء على المستويات الثلاثة ,بغية الوصول الى خلاصات جامعة تمهد لبناء سياسات مستدامة و مؤسسات للمتابعة اهمها تشكيل مجلس للامن القومي على غرار الدول المتقدمة.

وفي هذا الصدد وخلال ندوة حوارية سابقة للملتقى تم التعاون مع مركز البحوث والدراسات الإستراتجية في الجيش اللبناني، وهدفت الندوة التي عقدت في النادي العسكري إلى توعية المواطن حول اهمية الامن القومي بابعاده الثلاثة: النظام التشغيلي و السياسات الاقتصادية و السياسات الاجتماعية والعمل على تصحيح الخلل في كل هذة السياسات.و تصبح هذه التوعية نافذة,حين يعي الفرد في المجتمع ماهي حقوقه ؟وماعليه من واجبات؟

وهذه الحقوق تترجم عبر الطرح الذي قدمه "ملتقى التاثيرالمدني: نحو عقد و طني جامع و منتج".، فهل ستعمل الجهات الرسمية على تطبيق هذه البنود والأفكار و السياسات؟ لتتحول من نظرية إلى واقعية؟.سؤال يبقى جوابه حتى الأيام القادمة.

كما نقل عن موقع Lebanon Debate: http://bit.ly/1Gcbt5X