ثورة لبنانيّة جديدة... فمن يلبّي؟

قام لبنان في استقلاله عام 1943 على قاعدة ميثاق وطني عنوانه "لا شرق ولا غرب"، وفي هذا كانت انطلاقة مبدأ تحييد وطن الارز من أي صراعات وافدة اليه.

لكن استعراض مفاصل وطن اللاشرق واللاغرب التاريخية منذ العام 1948، حيث ضربته نكبة فلسطين مروراً بارتجاجات: 1958، فاهتزاز 1969، سبقته انتكاسة 1967، الى الانفجار الكبير في الـ 1975، وما تلاه من انهيارات، لم ينج منه اتفاق الطائف المنحور في مهده، ناهيك بالاحتلال الاسرائيلي وعدواناته الهمجية والوصاية السورية واستباحاتها المنهجية، وصولاً الى التصدّعات الفقريّة التي استهلت باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في العام 2005 واستكمال نحر ما تبقى من شكل الدولة... يستدعي استعراض هذه المفاصل كلّها التفكير في مسبّبات هذا المسار الانتحاري المستمر للدولة والسياسيين، في وقت تبدو ابداعات اللبنانيين في مختلف القطاعات، كما قدرتهم على الصمود، مثيرة للدهشة في محاولة حماية دولتهم غير آبهين باستقالة صانعي القرار من اداء أدوارهم وارتهانهم لأجندات لا تمتّ الى المصلحة الوطنية العليا بأي صلة.

 

من هنا أتت لافتة اندفاعة "ملتقى التأثير المدني"، وهو مجموعة ضغط تأسّست في العام 2012 وبعد اطلاقها خطة Blue Gold، وقد علم موقع الـmtv أنّ العمل قيد الاستكمال لطرح مشروع قانون "المجلس الوطني للمياه" في مواصفات ثوريّة، إن صحّ التعبير، ما يؤكد على جديّة الملتقى في طرح السياسات العامة، واقتراح بناء مؤسسات فاعلة لها. من هنا، على ما يرشح من المراقبة، أتت اندفاعة الملتقى في اطلاق النقاش حول مفهوم "الافق القومي في لبنان".

 

يبدو هذا المفهوم من عالمٍ آخر ومقصوراً في تفكيرنا على الأمن العسكري. وفي هذا السياق، يعتبر زياد الصائغ المدير التنفيذي لـ"ملتقى التأثير المدني" أنّه "لو أنجزنا منظومةً متكاملة مفهوميّة للأمن القومي مع الميثاق الوطني، لكنّا تجاوزنا كل الانتحارات السابقة"، ومع اعتراف الملتقى بالعوامل الخارجية المؤثرة في لبنان، إلا أنّه، وفق الصائغ، "لا بد من تصويب الخلل البنيوي في النظام التشغيلي كما السياسات الإقتصادية - الإجتماعية الذي نعيش، فبناء منظومة الأمن القومي بهذه الأبعاد الثلاثية نحو تمدّد وطنيّ جامع ومنتج يؤمّن منْعة للبنان تخفّف من وقع التدخلات الخارجية". ويسأل الصائغ: "هل من المسموح أن يعيش اللبنانيون في دولة تشبه طموحاتهم؟"، مشدّداً على أنّ "احترام الدستور وتطبيق القانون أمن قومي، والبنى التحتية من مياه وكهرباء ومواصلات أمن قومي، والثروات الوطنيّة الطبيعيّة والبشريّة أمن قومي، والحماية الإجتماعيّة بضمان صحي ونظام تقاعد أمن قومي".

ويختم الصائغ: "ملتقى التأثير المدني مقتنع بشراكة بنّاءة بين القطاع العام والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وتعنيه معادلة الإستجابة لطموحات الناس وتفعيل المؤسّسات وبناء السياسات المستدامة كما إنتاج آليات محاسبة ناجزة. هذه ليست فلسفة، إنها خطوة الألف ميل نحو تصويب المفاهيم وتحديد المسارات. ولمَ حتى الآن غياب مجلس أمن قومي يصوغ فيه أصحاب العلم استشراف المستقبل ويوقفون الارتجال والاستنزاف في الحكم؟".

ربما هو حلمٌ في زمن اليأس يطلقه "ملتقى التأثير المدني"، لكن هل للحياة معنى من دون حلم؟ عسى تنتصر أحلامنا على إصرارات اغتيال وطننا والدولة.